فصل: تفسير الآيات (160- 162):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآيات (155- 157):

{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)}
وقوله سبحانه: {فَبِمَا نَقْضِهِم}: ما زائدةٌ مؤكِّدة، التقدير: فبنقضهم، فالآيةُ مخْبِرةٌ عن أشياء واقَعُوها هي ضِدُّ ما أُمِرُوا به، وحذْفُ جوابِ هذا الكلامِ بليغٌ مُبْهَمٌ متروكٌ مع ذِهْن السامع، تقديره: لَعَنَّاهُمْ ونحوه، ثم قال سبحانه: {وَبِكُفْرِهِمْ}: أيْ: بعيسى، و{قَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا}، هو رمْيُهم إياها بالزِّنَا بعد رُؤْيتهم الآية في كلامِ عيسى في المهد؛ و{قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ...} الآية: هذه الآيةُ والَّتِي قبلها عدَّدَ اللَّه تعالى فيهما أقوالَ بَنِي إسرائيل، وأفعالَهُمْ؛ على اختلافِ الأزمان، وتعاقُبِ القرون؛ فاجتمع مِنْ ذلك توبيخُ خَلَفِهِمُ المعاصِرِينَ لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهذه الطائفةُ التي قالَتْ: إنا قَتَلْنَا المسيحَ غَيْرُ الذين نقضوا الميثاقَ في الطُّور، وغَيْرُ الذين اتَّخَذُوا العجْلَ، وقولُ بني إسرائيل إنَّمَا هُوَ إلى قوله: {عِيسَى ابن مَرْيَمَ}.
وقوله تعالى: {رَسُولَ الله}، إنما هو إخبارٌ من اللَّه تعالى بصفةٍ لعيسى، وهي الرسالةُ، على جهة إظهار ذَنْب هؤلاء المُقِرِّين بالقَتْل، ولزمهم الذنْبُ، وهم لم يقتلوا عيسى؛ لأنهم صَلَبُوا ذلك الشخْصَ؛ على أنه عيسى، وعلى أنَّ عيسى كَذَّابٌ ليس برَسُولِ اللَّه، فلزمهم الذنْبُ مِنْ حيث اعتقدوا أنَّ قتلهم وَقَعَ في عيسى.
قال * ص *: و{عيسى}: بدلٌ أو عطفُ بيانٍ من {المسيح}، و{رَسُولَ الله} كذلك، ويجوزُ أنْ يكون صفةً ل {عيسى}، وأنْ يكون نصباً على إضمار أعني.
قُلْتُ: وهذا الأخير أحسنها مِنْ جهة المعنى. انتهى.
ثم أخبر سبحانه أنَّ بني إسرائيل ما قَتَلُوا عيسى، وما صَلَبوه، ولكنْ شُبِّه لَهُمْ، واختلفتِ الرُّوَاةُ في هذه القصَّة، والذي لا يُشَكُّ فيه أنَّ عيسى عليه السلام كان يَسِيحُ في الأَرْضِ ويدعو إلى اللَّه، وكانَتْ بنو إسرائيل تَطْلُبُه، ومَلِكُهُمْ في ذلك الزَّمَانِ يجعَلُ عليه الجَعَائِلَ، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريُّون يَسِيرُونَ معه؛ حيثُ سار، فلَمَّا كان في بعض الأوقات، شُعِرَ بأمْر عيسى، فَرُوِيَ أنَّ رجلاً من اليهود جُعِلَ له جُعْلٌ، فما زال يَنْقُرُ عنه؛ حتى دلَّ على مكانه، فلما أحَسَّ عيسى وأصحابُهُ بتلاحُقِ الطَّالبين بهم، دخلوا بَيْتاً بمرأى مِنْ بني إسرائيل، فرُوِيَ أنهم عَدُّوهم ثلاثةَ عَشَرَ، ورُوِيَ: ثمانيةَ عَشَرَ، وحُصِرُوا لَيْلاً، فرُوِيَ أنَّ عيسى فرق الحواريِّين عن نَفْسه تلك الليلةَ، ووجَّههم إلى الآفاقِ، وبقي هُوَ ورجُلٌ معه، فَرُفِعَ عيسى، وأُلْقِيَ شَبْهُهُ على الرجُلِ، فَصُلِبَ ذلك الرجُلُ، ورُوِيَ أنَّ الشَّبَهَ أُلْقِيَ على اليهوديِّ الذي دَلَّ عليه، فَصُلِبَ، وروي أنَّ عيسى عليه السلام لما أُحِيطَ بهم، قال لأصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يلقى عَلَيْه شَبَهِي، فَيُقْتَلُ، ويُخَلِّصُ هؤلاءِ، وهو رَفِيقي في الجَنَّةِ، فقَالَ سِرْجِسُ: أَنَا، فألقي عليه شبه عيسى، وروي أنَّ شَبَهَ عيسى أُلْقِيَ علَى الجَمَاعَةِ كلِّها، فلما أخرجهم بَنُو إسرائيل، نقصوا واحداً مِنَ العِدَّة، فأخذوا واحداً مِمَّنْ عليه الشَّبَهُ حَسَب هذه الرواياتِ التي ذكَرْناها، فَصَلَبُوه، ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمتناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عليهم أَمْرُ رَفْعِ عيسى، لِمَا رأَوْه مِنْ نقصانِ العدَّة، واختلاط الأمْرِ.
وقوله تعالى: {وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ...} الآية: يعني اختلافَ المحاولين لأخْذه؛ لأنهم حين فقدوا واحداً من العدد، وتُحُدِّثَ برَفْع عيسَى، اضطربوا، واختلفوا، لكنْ أجمعوا على صَلْبِ واحدٍ مِنْ غير ثقَةٍ، ولا يقينٍ، أنه هو.
وقولُه تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً}، قال ابن عَبَّاس وجماعةٌ: المعنى: وما صَحَّ ظنُّهم عندهم، ولا تحقَّقوه يقيناً، فالضميرُ في {قتلوه} عندهم عائدٌ على الظَّنِّ؛ كما تقُولُ: ما قَتَلْتُ هذا الأمْرِ عَلْماً، قلْتُ: وعبارةُ السُّدِّيِّ: وما قَتَلُوا أمره يقيناً أنَّ الرجُلَ هو عيسَى. انتهى من مختصر الطَّبَرِيِّ، وقال قومٌ: الضميرُ عائدٌ على عيسى، أخبر سبحانه أنهم ما قَتَلُوهُ في الحقيقةِ جملةً واحدةً، لا يقيناً ولا شكًّا، لكنْ لما حصَلَتْ في ذلك الدعوى، صَارَ قتله عنْدَهم مشْكُوكاً فيه، وقال قوم مِنْ أهل اللسانِ: الكلامُ تامٌّ في قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ}، و{يَقِيناً}: مصدرٌ مؤكِّد للنفْي في قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ}، المعنى: نخبرُكُمْ يقيناً، أو نقصُّ عليكم يقيناً، أو أَيْقَنُوا بذلك يَقيناً.
وقال * ص *: بعد كلام: والظاهرُ أنَّ الضمير في {قَتَلُوهُ} عائدٌ إلى عيسى لِتَتَّحِدَ الضمائرُ، و{يَقِيناً}: منصوبٌ في موضعِ الحالِ من فَاعِلِ {قَتَلُوهُ}: أي: مستيقنين أنه عيسى، أو نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلاً يقيناً. انتهى.

.تفسير الآية رقم (158):

{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)}
وقوله تعالى: {بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ}: يعني: إلى سمائِهِ وكرامتِهِ، وعيسى عليه السلام في السَّماءِ؛ على ما تضمَّنه حديثُ الإِسراء في ذِكْرِ ابني الخالةِ عيسى ويحيى، ذكره البخاريُّ في حديث المعراج، وذكره غيره، وهو هنالك مُقِيمٌ؛ حتى يُنزله اللَّه تعالى لِقَتْلِ الدَّجَّال، وليملأَ الأرْضَ عَدْلاً وَيَحْيَا فيها أربعين سَنَةً، ثم يَمُوتُ، كما يموتُ البَشَر.

.تفسير الآية رقم (159):

{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)}
وقوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}: اختُلِفَ في معنى الآيةِ:
فقال ابن عباس وغيره: الضميرُ في {مَوْتِهِ} راجعٌ إلى عيسى، والمعنى: أنه لا يبقى مِنْ أهْل الكتابِ أحَدٌ، إذا نَزَلَ عيسى إلى الأرْضِ، إلاَّ يؤمنُ بعيسى؛ كما يؤمنُ سائرُ البَشَرِ، وترجِعُ الأدْيَانُ كلُّها واحداً، يعني: يرجعُونَ على دِينِ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ إذْ عيسى واحدٌ من أمته وعلى شريعته، وأئمَّتنا منَّا كما ورد في الحديثِ الصَّحِيح.
وقال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ أيضاً وغيرهما: الضميرُ في {بِهِ} لعيسى، وفي {مَوْتِهِ} للكتابيِّ، لَكن عند المعاينة للمَوْتِ فهو إيمانٌ لا ينفعه، وقال عكرمةُ: الضَّميرُ في {بِهِ} لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم و{قَبْلَ مَوْتِهِ} للكتابيِّ قال: وليس يخرج يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ من الدنيا حتى يؤمن بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، ولو غَرِقَ أو سَقَطَ علَيْه جِدَارٌ، فإنه يؤمنُ في ذلك الوقْتِ، وفي مُصْحَفِ أبيِّ بْنِ كَعْب: {قَبْلَ مَوْتِهِمْ}، ففي هذه القراءة تَقْوِيَةٌ لعود الضمير على الكتابيِّ،
قال * ص *: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب...} الآية: إنْ: هنا نافيةٌ، والمخبَرُ عنه محذوفٌ قامَتْ صفته مَقَامَهُ، أي: وما أحدٌ من أهل الكتاب؛ كما حذف في قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 71] وقوله تعالى: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 164] أي: وما أحدٌ منا، وما أحدٌ منكم، قال الشيخُ أبو حَيَّانِ: {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ}: جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، والقَسَم وجوابُهُ هو الخَبَرُ، وكذلك أيضاً {إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ} و{إِلاَّ وَارِدُهَا}، هما الخَبَرُ، قال الزَّجَّاج: وحَذْف أَحَدٍ مطلوبٌ في كلِّ نفْيٍ يدخله الإستثناءُ؛ نحْوُ: مَا قَامَ إلاَّ زَيْدٌ، أيْ: ما قام أحدٌ إلاَّ زيد. انتهى.

.تفسير الآيات (160- 162):

{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)}
وقوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ...} الآية: {فَبِظُلْمٍ}: معطوفٌ على قوله سبحانه: {فَبِمَا نَقْضِهِم} [النساء: 155] والطيِّباتُ هنا: هي الشُّحُوم، وبعْضُ الذبائحِ، والطَّيْرُ والحُوت، وغَيْرُ ذلك، وقرأ ابن عباسٍ: {طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ}.
{وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً}: يحتملُ أن يريدَ صدَّهم في ذاتِهِمْ، ويحتملُ أنْ يريد صدَّهم غيرهم، {وَأَخْذِهِمُ الربا}، هو الدرهمُ بالدرهَمَيْنِ إلى أَجَلٍ، ونحو ذلك ممَّا هو مَفْسَدَة، وقد نُهُوا عنه، ثم استثنى سبحانه الراسِخِينَ في العِلْمِ منهم؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ، ومُخَيْرِيقٍ، ومَنْ جرى مَجْراهم.
واختلف الناسُ في قوله سبحانه: {والمقيمين}، وكيف خالَفَ إعرابُهَا إعرابَ ما تقدَّم وما تأخَّر.
فقال بعضُ نحاة البَصْرة والكُوفة: إنما هذا مِنْ قَطْع النُّعُوت، إذا كَثُرَتْ على النصْبِ ب أعْنِي والرفعُ بعد ذلك ب هُمْ؛ وقال قومٌ: {والمقيمين}: عطْفٌ على ما في قوله: {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ}، والمعنى: ويؤمنون بالمقيمينَ الصَّلاَة، وهُمُ الملائكةُ، أو مَنْ تقدَّم من الأنبياء، وقال قومٌ: {والمقيمين}: عطْفٌ على الضمير في مِنْهُمْ، وقال آخَرُونَ: بل على الكَافِ في قولهِ: {مِن قَبْلِكَ}،
وزاد ص: {والمقيمين} منصوبٌ على المَدْحَ، قال: وقرأ جماعةٌ: {والمقيمُونَ} انتهى.

.تفسير الآيات (163- 164):

{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)}
وقوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ...} الآية: سبَبُ نزولها قولُ بَعْض أحبار يَهُودَ: {مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيْءٍ...} [الأنعام: 91] فأنزل اللَّه سبحانه الآية؛ تَكْذيباً لهم.
قال * ع *: إسماعيلُ هو الذبيح؛ في قول المحقِّقين، والوَحْيُ: إلقاءُ المعنى في خفاءٍ، وعُرْفُهُ في الأنبياء بوَسَاطة جبريلَ عليه السلام، وكلَّم اللَّه سبحانه موسى بكلامٍ دون تكْييفٍ، ولا تحديدٍ، ولا حرفٍ، ولا صوتٍ، والذي عليه الراسخُونَ في العِلْمِ؛ أنَّ الكلام هو المعنَى القَائِمُ في النَّفْسِ، ويخلق اللَّه لموسى إدراكاً من جهةِ السَّمْعِ يتحصَّل به الكلامُ، وكما أنَّ اللَّه تعالى موجودٌ لا كالموجودَاتِ، معلومٌ لا كالمعلُومَاتِ؛ فكذلك كَلاَمُهُ لا كالكلامِ.

.تفسير الآية رقم (165):

{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)}
وقوله سبحانه: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ...} الآية: رُسُلاً: بدلٌ من الأول، وأراد سبحانه أن يقطع بالرُّسُل احتجاجَ مَنْ يقول: لو بُعِثَ إلَيَّ رَسُولاً، لآمَنْتُ، واللَّه سبحانه {عزيزٌ}؛ لا يغالبُهُ شيْء، ولا حُجَّة لأحدٍ عليه، حَكِيمٌ في أفعالِهِ، فقطع الحُجَّة بالرسُل؛ حِكْمَةً منه سبحانه.

.تفسير الآيات (166- 169):

{لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169)}
وقوله تعالى: {لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ...} الآية: سببُهَا قولُ اليَهُود: {مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 91].
وقال * ص *: لكن: استدراكٌ، ولا يُبتدأُ بها، فيتعيَّن تقديرُ جملةٍ قبلها يبيِّنها سببُ النزول، وهو أنه لَمَّا نزل: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [النساء: 163]، قالوا: ما نشهَدُ لك بهذا؛ فَنَزَلَ: {لكن الله يَشْهَدُ}. انتهى.
وقوله تعالى: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ}، هذه الآيةُ مِنْ أقوى متعلَّقات أهْل السنَّة في إثبات عِلْمِ اللَّه عزَّ وجلَّ؛ خلافاً للمعتزلةِ في أنهم يقولُونَ: عَالِمٌ بِلاَ عِلْمٍ، والمعنى عند أهْل السُّنَّة: أنزله، وهو يَعْلَمُ إنزالَهُ ونُزُولَهُ.
وقوله سبحانه: {والملائكة يَشْهَدُونَ}: تقويةٌ لأمر نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وردٌّ على اليهود.
وقوله تعالى: {وكفى بالله شَهِيداً}، تقديره: وكفَى اللَّهُ شهيداً، لكنه دخلَتِ الباءُ؛ لتدُلَّ على أنَّ المراد اكتفوا باللَّهِ، وباقي الآية بيِّنٌ.

.تفسير الآيات (170- 173):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173)}
وقوله تعالى: {ياأيها الناس قَدْ جَاءَكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ...} الآية: خطابٌ لجميعَ النَّاسِ، وهي دعاءٌ إلى الشرْعِ، ولو كانَتْ في أمر من أوامر الأحكام، ونَحْوِ هذا، لكانتُ: {يا أيها الذين آمنوا}، والرسُولُ في الآية: نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال سبحانه: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السموات والأرض}، وهذا خبرٌ بالاستغناء، وإنَّ ضَرَر الكُفْر إنما هو نازلٌ بهم، ثم خاطَبَ سبحانه أهْلَ الكتابِ مِنَ النصارى، وهو أنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ، وهو تجاوُزُ الحَدِّ.
وقوله: {فِي دِينِكُمْ}: معناه: في دِينِ اللَّهِ الَّذي أنْتُمْ مطلوبُونَ به؛ بأنْ تُوحِّدوا اللَّه، ولا تَقُولوا على اللَّه إلا الحقَّ، ولَيْسَتِ الإشارةُ إلى دينهم المُضَلِّل، وعن عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ رضي اللَّه عنه، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عيسى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ على مَا كَانَ مِنَ عَمَلٍ» رواه مسلم، والبخاريُّ والنسائيُّ، وفي مسلمٍ: «أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ» انتهى.
وقوله تعالى: {فآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ}؛ أي: الذين مِنْ جملتهم: عيسى، ومحمَّد عليهما السلام.
وقوله تعالى: {إِنَّمَا الله إله واحد}: {إنَّمَا}؛ في هذه الآية: حاصرةٌ، و{سبحانه}: معناه: تنزيهاً له، وتعظيماً، والاستنكاف إبَاءَةٌ بأَنَفَة.
قال * ع *: وقوله سبحانه: {وَلاَ الملائكة المقربون}: زيادةٌ في الحُجَّة، وتقريبٌ مِنَ الأذهان، أي: وهؤلاءِ الذين هُمْ في أعلى درجاتِ المَخْلُوقين لاَ يَسْتَنْكِفُونَ عن ذلك، فكيفَ بسواهُمْ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على تفضيل الملائِكَةِ على الأنبياءِ.
وقوله سبحانه: {فَسَيَحْشُرُهُمْ}: عبارةُ وعيدٍ.
قال * ع *: وهذا الاِستنكافُ إنما يكونُ من الكُفَّار عن اتباع الأنبياءِ، وما جرى مَجْراه.

.تفسير الآية رقم (174):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174)}
وقوله تعالى: {ياأيها الناس قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ...} الآية: إشارةٌ إلى نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، والبرهانُ: الحجة النَّيِّرة الواضحةُ الَّتي تُعْطِي اليقينَ التَّامَّ، والنُّورُ المُبِينُ: يعني القُرآن؛ لأنَّ فيه بيانَ كُلِّ شيء، وفي صحيح مسلم، عن زيدٍ بْنِ أرقَمَ، قال: قَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً فِينَا خَطِيباً، فَحَمِدَ اللَّهَ تعالى، وأثنى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي، فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ؛ فِيهِ الهدى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّه، واستمسكوا»، فَحَثَّ على كِتَاب اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ؛ ثَلاَثاً فِي أَهْلِ بَيْتِي...» الحديث، وفي روايةٍ: «كِتَابُ اللَّهِ؛ فيهِ الهدى والنُّورُ مَنِ استمسك بِهِ، وَأَخَذَ بِهِ، كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ، ضَلَّ»، وفي رواية: «أَلاَ وَإنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتبعه كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ على ضَلاَلَةٍ» انتهى.